عبدو ولد أحمدسالك
عبدُ ولد أحمدسالك
العلوي الآبيري (1267- 1330هـ)
نشأته وأسرته: ولد عبد الله (عبدُ) في بيت علم وشهامة، فأبوه أحمدسالك بن محمذن(امَّ) بن عباس: عالم تقي وظاهر الكرامة وهو شيخ محظرة قومه في وقته، وأمه سليلة الزعامة والشهامة: أم سليم (إمَّوَّهْ) بنت محمود فال بن اعبيد بن احمدتك، وقد نشأ "عبدُ" وتربّى وتعلم وعلّم في محيط زاخر بالعطاء المعرفي والاتساع في تنوع الفنون والعلوم، شهد له بذلك كثير من العلماء والأجلاء الأعيان في عصره، منهم على سبيل المثال: العلامة محمذن فال بن متالي والشيخ أحمدو بمب وآل العاقل وآل الشيخ سيديا وآل أحمد بيب وآل احمد فال العلويين وآل الفغ موسى وآل زين والعلامة يحظيه بن عبد الودود، والأمير محمد لحبيب وغيرهم، ولعل أبلغ وصف لهذه البيئة وأوجزه هو قول الشاعر في هذه الأسرة (أهل امَّ) :
|
مبتغي المجد والمحامد أُمَّا |
|
في ابتغا الجانبين "أبناء امَّا" |
كما يقول فيهم الشاعر الحساني:
|
مَا كَطَّيْنَ رَيْنَ مَغْمَزْ |
|
فاهْلْ امَّ هَاذُ فِلِّ فَاتْ |
حياته العلمية :
دراسته: بدأ عبدُ تعلمه للقرآن الكريم في أواسط السنة الخامسة من عمره – كما هو العادة في محيطه وأحياء عشيرته آنذاك – وأكمل حفظ القرآن وهو ابن سبع سنين، وقد توقدت مواهبه وظهرت براعته، فأتقن حفظا وفهما: نظم بن بري وتفسير الخازن - وكان من أكثر التفاسير انتشارا واستخداما بين المتعلمين حينئذ- ، ومما يروى عنه في هذا المعرض انه ذات يوم قال لابن عمه العالم الفاضل محمدُّ (الشِّدُّ) بن عبد الله: خذ أجزاء الخازن الأربعة واختر منه أي كلمة من القرآن ، واسألني عن موقعها في الورقة وعن معناها وسبب نزولها، أجبك عن كل ذلك، فظل "الشِّدُّ" يأخذ له من هنا وهناك ويسأله حتى علم أنه لن يعجزه، فتوقف دون إعجازه.
وواصل تدرجه مع متون الفنون الأخرى في المحظرة نفسها مترددا بين والده: أحمدسالك وعمه: محمدُ(حدَّامَّ) وغيرهم، فدرس من النحو مثلا نظم عبيد ربه وملحة الإعراب متدرجا منهما إلى دراسة ألفية ابن مالك ولامية الأفعال بطرتيهما (احمرار ابن بون ، وبعضا من احمرار ابن زين ).
وعكف باهتمام كبير ومتواصل على دراسة الشعر القديم واللغة، و كانا أكبر قسم من مكونات مكتبة والده، فقرأ أمهات الشعر من معلقات ومُفَضَّلِيّات وأصمعيات ومثلها من القصائد المشهورة، ثم تجاوزها إلى الكثير من نوادر الشعر وقصاره عند المقلين والمغمورين ومجهولات النساء، وارتقى به اهتمامه اللغوي إلى دراسة وحفظ "مثلث الكلام" لابن مالك وهو من خط والده ، ولا تزال نسخة منه اليوم موجودة ببعض الحواشي والتعليقات.
و بموازاة اهتمامه بالشعر والأدب عكف على دراسة تاريخ الإسلام بجوانبه المتمثلة في السيرة النبوية والأنساب والأيام وتاريخ الخلفاء...، فتبحر فيها إلى أن قال فيها قولة له مشهورة هي: أنه حدث جماعة من قومه مشيرا إلى مخيم كبير عاينهم فقال: ما أنا بأدرى بأنساب حينا هذا من أنساب قريش، وما أنا بأدرى بمنطقة "لِعْرَيَّ"(تصغير مرابع حيه: العرية)، من مواضع الحجاز.
وقرأ في محظرة قومه أيضا متونا من الفقه بدءا بابن عاشر والأخضري وبداية العاصمية وأجزاء الطهارة والصلاة من مختصر خليل.
ثم تاقت نفسه إلى ارتياد محاظر من خارج محيطه، فتنقل عدة سنوات بين "محاظر" كثيرة لا يمكننا تحديدها بكاملها، لكن من المؤكد أن من بينها محظرة "أهل محمد بن محمد سالم" ومحظرة "أبناء حرمة بن عبد الجليل" و "أهل باب بن أحمد بيب" ومحمذن فال بن بُوفَرَّهْ الحاجي و أحمدو (الشِّدُّو) بن المختار المالكي الذي كان هو وأوفي زميلين في الدراسة وصديقين لوالده، تعارفوا إبَّان تلمذتهم على الشيخ محمذن فال بن متالي.
وكان من آخر مشايخه العالم الجليل يحظيه (ت 1358هـ) بن عبد الودود وهو معاصر له وزميل صديق، ولعل تلك المعاصرة والزمالة المعروفة بينهما هي التي جرأت "حمدا" القناني المعروف بالدعابة والجرأة والصراحة فيما يقول، على قوله حينما رأى عبدُ مرة مع يحظيه: " عبد بن أحمدسالك؟! ليت شعري ما ذا تريد عند يحظيه (وصغّر اسمه)، والله إنك لأعلم منه ".
ومن الأمثلة الدالة على سعة اطِّلاعه في علوم السيرة النبوية، فهمه للمسألة التي استشكلها : العالم المتفنن حماد(1170- 1256هـ) بن الأمين المجلسي في شرحه لعمود النسب، وهي أن النبي صلى الله عليه وسلم سجد عند مرآه لـ"النغاشي" وعلق عليها في شرحه بأنه لم يعرف سبب ذلك السجود، و قد قال "عبدُ" عند مطالعته لكلام "حماد ": "فهمتها والحمد لله، فقد سجد الرسول صلى الله عليه وسلم شكرا لله على أن لم يجعله مثله (أي النغاشي)، حيث أنه كان قصيرا جدا ودميما".
تدريسه: بعد وفاة أحمدسالك (والد عبدُ) واستكماله هو لما قدر الله له أن يحصل عليه من فنون العلم في بيته، و داخل أحياء عشيرته وخارجها، لم يلبث أن جلس للتدريس وأخذ فيه مكانة جده وأبيه.
ويحتفظ لنا التاريخ بحكاية نوردها في هذا المجال، هي أن العالم القارئ عبد الله(ت 1330هـ) بن مختارنا الحاجي سافر مرة فنزل ذات يوم ضيفا، على "عبدُ" ولد أحمد سالك وهو في محظرته يدرس تلاميذه، فسمع عينات ونماذج من تجويدهم للقرآن وأدائهم له، فأعْجِب بهم، ونبَّه شيخهم "عبد" قائلا: "هؤلاء التلاميذ يستحقون الإجازة"، وفعلا فقد أجاز"عبدُ" بعض هؤلاء التلاميذ لاحقا.
وقد نهل من معين محظرته أبناؤه جميعا وخصوصا الكبار منهم: محمدو (امَّيدُّ) وعبد الرحمن وفاطمة وخديجة، حيث استمر عطاؤه العلمي بعد وفاته على أيديهم، وبالتحديد الجانب - من محظرته - المتعلق بالقرآن الكريم وعلومه والسيرة النبوية، حتى كادت المحظرة تتميز في أيامهم وتشتهر بهذين المجالين، كما توافد عليه من طلاب العلم عدد لا نستطيع حصرهم، لكن من المؤكد أن منهم:
1- من عشيرته: محمد الأمين (الدين) وعبد الرحمن (حدَّامَّ) ابني حدَّامَّ، و محمدن(منَّا) بن عبد الصمد، ويدل على شدة حب "منّا" وتعظيمه لشيخه (عبدُ) أنه في آخر عمره قال ذات مرة بمحضر جماعة من العشيرة مخاطبا عبد بن محمدو (حفيد عبدُ) في حديث يتعلق بالماضي والحنين إلى ذكرياته: "أشهدكم أني مستسمح عبدُ هذا وإخوته فيما أرى أنني قد أكون قصرت فيه من تأدية حق أهل عبدُ، فجدهم شيخي ولا أستطيع مكافأة فضله علي" .
2- من غير عشيرته: نذكر على سبيل المثال لا الحصر:
- من "تاگنانت" : دحمان(ت 1979م) بن المختار أتفغ وأحمد(ت 1360هـ) بن عبيد.
- من تندغه : محمد(ت1362 هـ) بن حرمه- أحمدُّ(الواثق) بن المختار - عبد الله بن الشَّاه - يحطيه بن اعبيدي.
مكانته في قومه:
يمكن التعريف بهذه المكانة من خلال كلامنا عن مكونتين اثنتين فيها هما: سعيه في المصالح والأمور العامة للقبيلة وبعض الحكايات من جوده وكرمه.
لقد كان لعبدُ بن أحمد سالك حضور قوي وفعال في أمور قومه، حيث كان فيهم مضرب مثل في الجود والإنفاق وسرعة العطاء والسعي في المصالح والدؤوب على رعايتها، ولذلك كانت الخصال التي مدح بها ومدح بها بنوه من بعده كالعلم والتقوى وحسن الأخلاق مثلا مصحوبة دائما بذكر كرمه وبذله ذات يده .
كما كان يمثل قومه في أغلب النزاعات القضائية التي تقع بين بعضهم مع أطراف أخرى في حياته، وكانت شهادته ورأيه ومحاماته عن الحقوق أمورا معتبرة عند القضاة في زمنه، وكان معروفا عندهم أنه لا يتحرك إلا فيما هو حق شرعا، وقلما يكون طرفا في خصام إلا وانتصر.
وقد خلَّدت له الأجيال في عشيرته من بعده حكايات عديدة متواترة في هذا المجال كما لا تزال - رغم الضياع والتلف الذي لحق بآثاره – محفوظةً عنه بعض الوثائق التي تشير إلى أهمية الأدوار الاجتماعية والسياسية التي كان يقوم بها في قومه، وإلى تكرار حالات من انتدابهم له ممثلا عنهم في الأمور العامة التي تربطهم بالآخرين . ولتقديم بعض الأمثلة بهذا الشأن: نختار ستة نماذج من هذه الوثائق كما يلي:
- وثيقة شبه دستورية لجماعته، هو ثالث الموقعين عليها.
- وثيقة تتعلق بحكم قضائي لصالحه نائبا عن قومه.
- وثيقة تتعلق بمرافعة قضائية كان فيها وكيلا عن أربعة من أبناء عمه.
- وثيقة بخطه تتضمن خلع العصب بين قومه وأخوالهم: بني مالك، إثر بعض الحروب بينهم.
- وثيقة تتضمن تزكية له ولقوة أدلته في نزاع قضائي .
- وثيقة تتعلق ببعض تزكياته لبعض الشهود .
و من حكايات جوده وكرمه :
1) أنه أحس أن أحد أكابر أبناء عمه الأفاضل الأعزاء عليه ، أرسل ذات مرة مولاة له إلى ذوى غنم يسقون عند البئر، لتسألهم هل عندهم شاة تصلح للذبح يريدها لعلاج امرأة مريضة في زمن يقل فيه اللحم، ونهاها عن المرور بحيث يراها عبدُ وأكد عليها إذا رآك عبد وسألك عما أرسلتك إليه فلا تذكريه له. لكن المولاة لم تجد ما أرسلها إليه سيدها عند البئر، وفي طريق عودتها لقيت عبد - على الرغم من حذرها من لقائه - فسألها عن الأمر، فقالت له: أمرت أن لا أذكره لك، فلم يزل يلح عليها حتى أخبرته، فلم يكن منه إلا أن بادر بذبح ثور وإرسال لحمه إليه.
2) أنه علم ذات مرة أن فتاة من بنات عمه كانت قد مكثت في بادية معزولة انفردت فيها مع أهل زوجها زمنا طويلا، ثم أحس أنهم عائدون إلى حيه، وأنها هي تلبس ملاءة (ملحفة) يظهر عليها التقادم وعدم الجدة. فكره عبدُ أن تراها نساء الحي في تلك الملاءة، والزمن زمن قلة في اللباس وصعوبة في وجوده، فاشترى لباسا لهذه الفتاة ولزوجها وأطفالهما، وتلقاهم به في الليل قبل وصولهم إلى الحي فما رآهم الناس إلا وهم جميعا يلبسون تلك الثياب الجديدة.
3) أنه أحس أن أحد أبناء عمه العزيزين عليه، بحاجة إلى مبلغ من المال نقدا ولم يجده، فأعطاه هو بقرة ليبيعها لبعض تجار الحيوان المتنقلين وسيحصل على ثمن أكثر من المبلغ الذي يريد، فقبل ابن عمه العرض متوهما أنه على سبيل البيع وحصل على حاجته، وبعد فترة أراد الرجل أن يقضي لعبد ذلك المبلغ، لكنه فوجئ بامتناعه عن أخذه وتصريحه له أنه إنما أعطاها له على سبيل الهبة لا البيع.
بعض ما قـيل فيه:
|
- التجاني بن باب العلوي: ألا يا سائلي عن عبد عبدُ على نجد المفاخر عبد عالي أرى غرر الإحسان أول ما تبد يَلْمختار لمْنْفُوعْ اتْراهْ |
|
جواد لا تقاس به الجياد بما يسمي الكرام من الفعال على النأي يلقاها على بعدها عبد واعْبرْ جهْدَكْ فِدْوَ عَبْدُ |
نماذج من ديونه الشعري :
في الغزل:
|
دع الملام فإن اللوم يؤذيني |
|
لوم العذول بمن أهواه يغريني |
في الحكمة:
|
ألا من لدهر لا تزول لَواسِعُهْ |
|
ففي كل حين منه تأتي رَوائِعُهْ |
في التوسل والابتهال:
|
دعوتك يا ألله يا عالم الشكوى بدأت ببسم الله جل جلاله |
|
فأنت الذي تدري السرائر والنجوى على مدح حلف الجود حلو الشمائل |
|
ما لحي من موئل عن حِمام |
|
فلقاء الحِمام فرض الأنام |
مصادر الدراسة: 1) تحقيق باب النكاح من شرح العلامة المختار السالم ابن عباس لتحفة بن عاصم - مريم السالمة بنت محمدن- المعهد العالي- 2002م. 2) شخصية عبدو بن أحمدسالك – محمد الأمين بن المختار – جامعة انواكشوط – 2011م



/ 8