امرابط النوادر

تقييم المستخدم:  / 5
سيئجيد 

امْرَابطْ النوادر  

نشأته: هو أحمدسالك بن محمذن (امَّ) بن عباس بن حبيب الله (حَيْبَللّ) بن سيد أحمد (آبَّيري)، ولد بداية القرن الثاني عشر الهجري(1202 هـ) في منطقة "القبلة" ونشأ وتربى في كنف والده العلامة محمذن(امَّ) بن عباس: شيخ محظرة أهل عباس ومؤسسها وزعيم العشيرة في أيامه، فنهل من معين أخلاقه وآدابه الرفيعة وارتوى من صافي معارفه المحظرية المختلفة. وقد كان للعقد الذي أبرمه والده مع الشيخ محمذن فال[1] بن متالي - والذي اقتضى سكن هذا الأخير مع الأول لتدريس أبناء حيه - أثره البالغ على تكوينه المعرفي ، حيث صحب أحمد سالك هذا الطود العلمي الشامخ فترات طويلة من حياته وكرس جميع جهده للاستفادة من علومه الظاهرة والباطنة.

وبالإضافة إلى حصر أحمدسالك الدائم لاهتماماته وطاقاته في طلب العلم وتحصيله، فقد باشر التدريس المحظري فكان أكبر شيوخ محظرة قومه وأكثرهم إسهاما في اتساع رقعة إشعاعها.  

مكانته: كان العلامة أحمدسالك بن امَّ بحرا لا ساحل له في مختلف العلوم الشرعية وموسوعة في اللغة والنحو والشعر والأدب والسيرة النبوية، وكان من أبرز العلماء الذين برَّزهم وأجازهم الشيخ محمذن فال بن متالي حيث أجازَه إجازة من نصها: "أجزته في العلم الظاهر والباطن"، كما يقول عنه بعد تخرجه: "ذهب تلميذنا الصالح وابن الصالحين بكثير من العلم الصحيح"[2]، ومن اهتمامه به وحرصه عليه أن مرض أحمدسالك ذات يوم فكان الشيخ محمذن فال بن متالي يكرر على ذويه في عيادته له "بادروه بالقرآن فإنه أصابته عين".

وكان أحمد سالك موضع تقدير واعتبار العلماء والقضاة في عصره فكانت تزكيته و شهادته أمرا حاسما في النزاعات القضائية، ومما يدل على ذلك منطوق الوثيقة (انظر صورتها في مذكرة تخرج من قسم التاريخ بعنوان: شخصية عبدو بن أحمدسالك - جامعة انواكشوط 2010م) التي يعتذر فيها القاضي: محمذن[3] بن حبيبي ويعدل عن الحكم في مسألة لصالح أحد طرفيها بعد أن رأى شهادة أحمدسالك بن محمذن بن عباس لصالح الطرف الثاني.

كما كانت له مكانة واحترام لدى أمراء الترارزة فقد أرسل شيخه ابن متالي إلى أمير الترارزة آنذاك محمد الحبيب[4] قائلا: "مني إلى الأمير محمد لحبيب موجبه أن تضربوا هدية سنوية على رعيتكم لتلميذنا الصالح وابن الصالحين أحمد سالك بن امَّ"، وقد استمر حسن العلاقة وتبادل المعروف ومنه أداء هذا العطاء إلى عهد أحفاده المباشرين، وقد شهد له شيخه (محمذن فال ابن متالي) بالفضل والعلم وخصص لخدمته أسرة من رعيته إكراما له وإسهاما في تفرغه للعلم ونشره[5]، وعند توديعه له بعد إجازته إياه أوصاه ممسكا بيده قائلا:

تعلمَ اللغة شرعا فضلِ
يؤخذ ذا من قوله وعلما

 

على التخلي لعبادة العلي
آدم الاسماء الزم التعلما

وكرر لمرا بط محمذن فال بن متالي على تلميذه هازا يده: الزم التعلم ثلاث مرات، ولعل هذا ما يفسر لنا اهتمام احمد سالك الدائم في حياته باللغة العربية وعلومها وأدبها وشعرها ويظهر ذلك جليا في مكتبته حيث التركيز الواضح فيها على شوارد اللغة و ما ندر من كتب العربية وعلومها، حتى أطلق عليه أهل المحاظر في زمانه لقب:"امْرَابطْ النوادر"[6].

وقد تحدى أهل زمانه في "مجتمع انْجَيْلِ[7]" أن من روى له بيتا من أشعار العرب ولم يقل له ثانيه أعطاه قاموسين من أجمل ما يكون من خطه - على ندرة الكتب آنذاك- فحكى له أحد الشعراء (يروى أنه الشاعر ابن أحمد دَامُ[8] الحسني) بيتا فإذا به لا يعرفه فقال للشاعر هذا البيت ليس من شعر العرب وإن كان منه فلم يدخل "القبلة" قبل هذا العام، فان كنت مصرا على أنه كذلك فدونك القاموسين، فتورع الشاعر وقال له صدقت والله، أمسك عليك قاموسيك فهذا البيت من إنتاجي أنا الآن[9]، وكسب أحمد سالك الرهان فبقي له القاموسان، ولا يزالان عند أحفاده إلى اليوم.

آثاره: ترك أحمدسالك بن أمَّ آثارا علمية منها: طرر في المنطق[10]، كما دفعه اهتمامه الكبير بإثراء المحظرة بجميع الكتب إلى استنساخ المئات منها حتى كون "مكتبة كبيرة بخطه الحسن تحوي كثيرا من نفائس التراث، وقد جعل هذه المكتبة وقفا على أبنائه وأبناء إخوته"[11]، ويقول عنه ابن حامد[12] في موسوعته في معرض حديثه عنه إنه "حصل مكتبة بخطه الجميل".

وكان لمكتبته دور كبير في تعميق وتوسيع نطاق المعارف والملكات الأدبية واللغوية لدى الأجيال الذين جاؤوا بعده وقد تضمنت بخط صاحبها كثيرا من نفائس التراث تمثلت في كثير من دواوين الشعراء وكتب الأدب واللغة والنحو لا يصدق العقل أن بشرا يستطيع تحصيله في أطول الأعمار[13].

تصوفه: كان أحمد سالك متصوفا على الطريقة الشاذلية التي أخذها عن شيخه محمذن فال بن متالي، عارفا بالله صاحب أسرار وكرامات: نستطرد منها في هذا المقام: أنه كان ذات يوم في بيته وحوله كتبه فجاءه لصوص فأرادوا غصب رشاء مُلقى بجانب الخيمة، فقال لهم: اتركوه عنكم فهو مودع لدينا، وسأعطيكم آخر بدله، فلم يعبؤوا بكلامه وأخذوا الرشاء ووضعوه على ناقة كانوا يمتطونها وانقلبوا ذاهبين، فقال له أخوه: "مَحَّمْ جَدَّاهْ" وكان حاضرا يرى ما حدث: "اكْشَحْ عَنْ عَظِلْتَكْ" بمعنى(اكشف عن عضدك) والمراد بها "استخدم سر قوتك الخفية بإذن الله" فما كان من أحمدسالك إلا أن رفع كمه حتى منتصف ذراعه، وإذا بناقة اللصوص تنكسر ذراعها من منتصفها، فظهر الخوف والندم في وجوه اللصوص فتركوا الرشاء واستسمحوا واعتذروا[14].  

شعره: يشتهر أحمدسالك بن امَّ إلى جانب مكانته البارزة العلمية والصوفية، بأنه أديب و شاعر مجيد، نذكر من شعره على سبيل المثال النماذج التالية:

كيف السُّلوُّ وقد براك تَجنُّبُ
غيداءَ تغترف العيونَ فترتقي
يحمي القتير لقاءها ووصالها
من حبّها قاسيتُ همّاً غالبًا
يأبَى لنا السلوانَ ذكرُ بخيلةٍ
صدَق اللواتي قلنَ ذا كَلِفٌ بها
أنتِ المنى ومرام كل مهذَّبٍ
تسرُو الكآبةُ والضنا بلقائها
وبنا البخيلة برَّحتْ بفراقها
أشقَى الورى عيشًا مُحبٌّ راغبٌ
فوق الكمال كمالُها وحديثها
بشراكَ يا من أسعفَتْهُ بصادقٍ
باللوم يلهج من يلومك ضِلَّةً
تلك التي خلب الفؤادَ دلالها
سبحان من جعل المليحة فتنةً
إن تستلب قلبي الغداةَ فقَبْلَهُ
فكما قضيتَ عليَّ ربِّ بحبّها
حتى تعاني بعضَ ما قاسيته
ويقول أيضا

سعي المليحة في الحوجاء مشكور
وكيف لا أشكر الحسناء وهي حوت
حوراء ما رفعت للحي منقصة
حزت البهاء فما شوركت فيه، فمن
أوقدت أفئدة الأشواق من شجن
يهواك قلبي ولا يهوى سواك بذا
لولا المشيب لكنا غير حالتنا
لكن سعيك في حوجائنا كرما
ويقول أيضا في نموذج آخر:

ألا لا أرى كالبيْن أقتلَ للنفسِ
ولا مثلَ أيامٍ قصارٍ تَسَلَّفَتْ

 

غيداءَ تملح في القلوب وتعذُبُ
حين الرنوّ لحسنها وتُصوِّب
ونِيارُ أشواقي بها تتلهّب
وبما أقاسيه الفؤادُ معذَّب
يرضى خلائقَها العفيف الأشيب
قلبي عليكِ أرقُّ مما يُحسب
عالي النِّجَار، فأين عنك المذهب
عني ومن نأي البخيلة يشجب
ودنوُّها مما نحبّ ونطلب
في نَـيْله حسناءَ ليستْ تُوهَب
تَطْبِي به حِلمَ الحليم فيذهب
من ودِّها والوصلِ لا يَتقضَّب
في حب تلك فيسخرون، وأعجب
وحمى الوصال تُقاة رازٍ يأشب
خلبت من الأحْجاء ما لا يُخلب
سلبت من الأحلام ما لا يُحسب
قيِّضْ لها من حبنا ما يغلب
من برح شوقٍ بالمتيّم يلعب

به أنوِّه حتى ينفخ الصور
من باذخ العز ما لم تحوه الحور
تسرو بضوء محياها الدياجير
بارتك فيه لها عن ذاك تقصير
والقلب مني ببرح الشوق معمور
قضى المهيمن والمأمور مأمور
للشيب إن لاح تبجيل وتوقير
ما إن يُضَيّع، مرضِيٌّ ومشكور

ولا كالِلّقا أشهى لها بعد ما يأسِ
لنا حول تِيلِمَّاسَ نلهو بكالشَّمْسِ

أولاده: غلبت الناحية العلمية من تحصيل وتدريس على حياة أحمدسالك بن أمَّ فلم يتزوج إلا في سن متأخرة من عمره عندما أشرف على نهاية عقده السادس، وقد خلف ابنين (أمهما السيدة: أم سليم بنت محمود فال بن اعبيدي بن أحمدتك بن حبيب الله بن آبيري) هما:

-                  عبد الله (عَبْدُ)(1267-1330 هـ)، عالم مبرز وشاعر وجواد اشتهر بالكرم وقائد سياسي ترأس قومه ومثلهم ودافع عنهم في المنازعات القضائية في زمنه[15].

-                  وعبد الصمد (شَمَدْ) (1273- 1350هـ)، عالم فاضل وشهم كريم، ترك عددا هاما من المخطوطات النفيسة بخطه الجميل[16].

وفاته: توفي أحمدسالك بن امَّ رحمه الله تعالى سنة 1285 هـ ودفن في مقبرة "الحشلفي"[17]، ويرثيه الحسين[18] بن أحمد بقصيدة منها:

قل للمحامي إذا ما حُم من آس
إن الرزايا إذا عُدَّت وإن عظُمت
بأحمد السالكِ الميمون أحسن من
من كان للدين نبراسا يضيء به
من كان للعدل قُسطاسا تَرَقَّبَهُ
نقل المبرأة الحوراء عائشةٍ
في فقه عروة في جود ابنِ مامة في

 

وما به لأخي الإحسان من باس
أجلها رزؤكم يا آل عباس
قد خط خطا بأقلام وأنقاس
إذا خبا ما لَه من كل نبراس
من يبتغي العدل في الأشيا بقُسطاس
في نحو عمرو وتفسير ابن عباس
خط ابن مقلة في شعر ابن مرداس...

 

 



[1] - عالم ولي صالح ذو صيت ذائع وكرامات ظاهرة وتآليف عديدة، يعتبر سنده الآن المصدر الأوحد للطريقة الشاذلية في منطقة القبلة، (ت 1287هـ).

[2] - حياة وشعر القاضي محمد بن بدي محمد الأمين بن الدين - جامعة انواكشوط - 2010م - ص 17 وهوامشها.

[3] - هو العالم الجليل القاضي محمذن بن حبيبي بن محمذن بن الوافي بن أحمد بن أعمر أكدبيج، ابن عم الشيخ محمذن فال بن متالي .

[4] - هو محمد الحبيب بن أعمر بن المختار بن الشرقي بن اعلي شنظورة، واحد من أشهر أمراء الترارزه، كانت فترة إمارته ما بين: (1245- 1277هـ).

[5] - شخصية عبدو بن أحمدسالك محمد الأمين بن المختار جامعة انواكشوط – 2011م ، ص:20 .

[6] - شخصية عبدو بن أحمدسالك محمد الأمين بن المختار - جامعة انواكشوط – 2011م ، ص:20 .

[7] - موضع يقع جنوب غرب انواكشوط، كانت تنعقد فيه سوق سنوية كسوق عكاظ.

[8] - هو سيد عبد الله بن احمد دام الحسني، شاعر وعالم وصوفي دافع في شعره عن الصوفية وله مؤلفات في العقائد والحديث والفقه، (-1170 1264هـ).

[9] - شخصية عبدو بن أحمدسالك محمد الأمين بن المختار - جامعة انواكشوط – 2011م ، ص:21 .

[10] - بلاد شنقيط المنارة والرباط - الخليل النحويط : 1987/ تونسص :541 .    

[11] - الخط والمخطوط - محمدن ولد أحمد سالم ولد أحمدو - المعهد العالي 2001م - ص:83 .

[12] - هو المختار بن حامد (1315 - 1415هـ)، حفيد محنض باب الديماني، علامة شاعر ومؤرخ جليل لقبه الباحثون بابن خلدون موريتانيا.

[13] - جمع وتحقيق شعر محمدن بن المختار السالم - عبد الله العتيق بن الدين جامعة انواكشوط 1989م - ص 7.

[14] - شخصية عبدو بن أحمدسالك محمد الأمين بن المختار - جامعة انواكشوط – 2011م ، ص:21 .

[15]- شخصية عبدو بن أحمدسالك محمد الأمين بن المختار - جامعة انواكشوط – 2011م ، ص: 52 .

[16] - رجال ومواضع من خلال منظومة المرابط بن دِيَّاهْ لمدافن مشاهير قومهالشيخ التجاني بن محمدنجامعة انواكشوط - 2009م.

[17] - بلدة تبعد 10 كلم جنوب غرب قرية لفريوه التي تبعد 55 كلم جنوب واد الناقة.

[18] - الأرجح أنه أحد معاصريه أو تلاميذه من قبيلة بني يعقوب.

معلومات إضافية